الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
428
تفسير روح البيان
الزحمة والمحنة وذلك من جمله ما كان النبي عليه السلام محميا به إذ كان يقول ( انه ليغان على قلبي وانى لاستغفر اللّه في كل يوم سبعين مرة ) وذلك غابة اللطف والرحمة والحجاب ما يكون محجوبا به عن الحق تعالى وذلك من غاية القهر والعز كما قال في المقهورين ( كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ) والجبل لم يستقر مكانه عند سطوة تجلى صفة الربوبية وجعله دكا وخر موسى مع قوة نبوته صعقا وذلك التجلي في أقل مقدار طرفة عين فلو دام كيف يعيش الإنسان الضعيف وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ منصوب باذكر اى واذكر يا محمد يوم ينادى اللّه المشركين فَيَقُولُ توبيخا لهم أَيْنَ [ كجااند ] شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ انهم لي شركاء وهو تقريع بعد تقريع للاشعار بأنه لا شئ اجلب لغضب اللّه من الإشراك كما لا شئ ادخل في مرضاة اللّه من توحيده وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ نزع الشيء جذبه من مقره كنزع القوس من كبده وعطف على يناديهم وصيغة الماضي للدلالة على التحقيق ولا التفات لابراز كمال الاعتناء بشأن النزع اى أخرجنا من كل أمة من الأمم شَهِيداً بالفارسية [ كواه ] وهو نبيهم يشهد عليهم بما كانوا عليه من الخير والشر وقال بعضهم يشهد عليهم وعلى من بعدهم كما جاء في الحديث ان اعمال الأمة تعرض على النبي عليه السلام ليلة الاثنين والخميس وقال بعضهم عنى بالشهيد العدول من كل أمة وذلك أنه سبحانه لم يخل عصرا من الاعصار عن عدول يرجع إليهم في امر الدين ويكونون حجة على الناس يدعونهم إلى الدين فيشهدون على الناس بما عملوا من العصيان فَقُلْنا لكل من الأمم هاتُوا [ بياريد ] وأصله آتوا وقد سبق بُرْهانَكُمْ على صحة ما كنتم تدعون من الشريك فَعَلِمُوا يومئذ أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ في الإلهية لا يشاركه فيها أحد وَضَلَّ عَنْهُمْ اى غاب غيبة الضائع وَما كانُوا يَفْتَرُونَ في الدنيا من الباطل وهو ألوهية الأصنام واعلم أن الشريك لا ينحصر في عبادة الأصنام الظاهرة بل الأنداد ظاهرة وباطنة . فمنهم من صنمه نفسه . ومنهم من صنمه زوجته حيث يحبها محبة اللّه ويطيعها إطاعة اللّه ومنهم من صنمه تجارته فيتكل عليها ويترك طاعة اللّه لأجلها فهذه كلها لا تنفع يوم القيامة - حكى - ان مالك بن دينار رحمه اللّه كان إذا قرأ في الصلاة إياك نعبد وإياك نستعين غشى عليه فسئل فقال نقول إياك نعبد ونعبد أنفسنا اى نطيعها في أمرها ونقول إياك نستعين ونرجع إلى أبواب غيره - روى - ان زكريا عليه السلام لما هرب من اليهود بعد ان قتل يحيى عليه السلام وتوابعه تمثل له الشيطان في صورة الراعي وأشار اليه بدخول الشجرة فقال زكريا للشجرة اكتمينى فانشقت فدخل فيها واخرج الشيطان هدب ردائه ثم اخبر به اليهود فشقوا الشجرة بالمنشار فهذا الشق انما وقع له لا لتجائه إلى الشجرة والشرك أقبح جميع السيئات كما أن التوحيد أحسن الحسنات وقد ورد ان الملائكة المقربين تنزل لشرف الذكر كما روى أن يوسف عليه السلام لما القى في الجب ذكر اللّه تعالى بأسمائه الحسنى فسمعه جبريل فقال يا رب اسمع صوتا حسنا في الجب فامهلنى ساعة فقال اللّه تعالى ألستم قلتم أتجعل فيها من يفسد فيها وكذلك إذا اجتمع المؤمنون على ذكر اللّه مراعين لآدابه الظاهرة والباطنة تقول الملائكة الهنا أمهلنا نستأنس بهم فيقول اللّه تعالى ألستم قلتم أتجعل فيها من يفسد فيها فالآن تتمنون الاستئناس